...

الرحيل عند حدود الوطن


أسامة عبدالستار موسى الفرا 


التفاصيل

حواديت ...

الرحيل عند حدود الوطن د. أسامه الفرا

ما زالت تفاصيل آخر لقاء جمعني مع د. محمد الفرا في صيف عام 2005 محفورة في الذاكرة ، ففي شقته المتواضعة في مصر الجديدة بقاهرة المعز ، جلست أستمع إليه وهو يتنقل في أرشيف القضية الفلسطينية وسنواتها العجاف ، توقف يومها كثيراً عند مرحلة حرب حزيران 1967 و الحراك العربي البعيد عن حجم المأساة التي حلت بنا ، وكان بين الفينة والأخرى يقف أمام مكتبته ليعود منها بكتاب أو مجلة أو جريدة يدلل بما كتب فيها عما يقول ، كان من الواضح أن مكتبته تحتوي حتى قصاصات الورق الصغيرة التي تناولت القضية الفلسطينية خلال تلك المرحلة ، في خضم سرده التاريخي وعما دار داخل الغرف المغلقة كان يتوقف بين لحظة وأخرى للسؤال عن الوطن وأحواله ، ويعود كلما سنحت له الفرصة للحديث عن طفولته في وطن يكتب الكبار مستقبله بعيداً عن أهله ، كان من الواضح أن د. محمد الفرا الذي أمضى سنوات عمره في الحقل الدبلوماسي ، ما زال يؤمن بأهمية الكلمة على خشبة المسرح الدولي وداخل أروقة صناعة قراره ، وأن الجهد الدبلوماسي لا يقل أهمية عن القتال في أرض المعركة ، قناعته هذه جاءت من عقود أمضاها في العمل الدبلوماسي رافقت التغيرات الكبيرة التي شهدها عالمنا العربي والنكسة وتبعاتها ، كان يؤكد دوماً على أن العجز العربي لم يكن فقط في جانبه العسكري بل الجانب الدبلوماسي كان أكثر ضعفاً وترهلاً ولا يحظى بالاهتمام المطلوب ، المهم أن هذا الكلام يأتي من رجل عجنته السنوات الطويلة في الحقل الدبلوماسي ، عمل سفيراً للأردن في اسبانيا وسفيراً لها في الأمم المتحدة ثم أميناً عاماً مساعداً لجامعة الدول العربية ، ولعل أهمها تلك التي أمضاها داخل أروقة الأمم المتحدة ، حيث ترأس خلالها اجتماعات لمجلس الأمن الدولي ، وشغل منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ، ومن الطبيعي أن تسمح له هذه المواقع أن يطلع عما يدور داخل أروقتها وفي غرفها المغلقة فيما يتعلق بالقضايا العربية بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص ، أحد عشر عاماً أمضاها في الأمم المتحدة جلها في الدفاع عن الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ، وخلالها جاء قرار مجلس الأمن رقم 242 بما أثاره من ردود فعل متباينة في ذلك الحين ، لنعاود هذه الأيام البحث في كلماته وبين حروفه عما يعيد لنا ما تم احتلاله من قبل إسرائيل خلال حرب حزيران ، وبات القرار أحد مرتكزات أي مبادرة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .

بعد هذه السنوات الطويلة والمضنية في العمل الدبلوماسي أجمل د. محمد الفرا تجربته في كتابه "سنوات بلا قرار" ، وعاد بعدها ليمضي ما تبقى من سنوات عمره متنقلاً على حدود الوطن بين عمان والقاهرة ، الوطن الذي لم يتمكن من العودة إليه ففضل الإقامة على حدوده ، ليبحث في ذاكرة القادمين منه والعائدين إليه عن ذكريات طفولته وشبابه ،ويطمئن منهم على الوطن الذي لم تضنيه السنوات الطويلة في البحث عن حريته واستقلاله ، رحل د. محمد بعيداً عن الوطن دون أن يتمكن ثرى الوطن من احتضان جثمانه ، والرفق به إكراماً للسنوات الطويلة التي أمضاها مدافعاً صلباً عن حقوق شعبه وثوابته الوطنية ، ولتظل تجربته في الحياة الدبلوماسية والدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية منهلاً لا بد من الاستفادة منه ، نسأل الرحمة للفقيد وللوطن الحرية والاستقلال .